
تصريح أميمة طالب الأخير “أنا لست مدعومة، أنا إنسانة كافحت واجتهدت، وما أوصلني إلى هذا المنصب هي موهبتي” لم تكن مجرد جملة عابرة ألقتها في سياق حوار مرئي. بل كانت الشرارة التي أثارت نقاشاً واسعاً حول تأثير الدعم في صناعة الموسيقى الخليجية على العديد من المواهب الناشئة، وقيمة الاعتراف بالفضل والامتنان للداعمين في كل مرحلة، ومستوى النضج الفني في تصريحات الفنان عندما يصبح جزءاً من نظام أكبر منه.
شهدت منطقة الخليج، وتحديداً المملكة سعوديوم السعودية، في السنوات الأخيرة حركة موسيقية ضخمة أعادت تشكيل المشهد الفني على مستوى النجوم والذوق والجمهور والسوق الفني، وفتحت الباب أمام عشرات الأصوات للظهور من خلال حفلات كبرى عالية الجودة ومهرجانات رفيعة المستوى، وفتحت آفاق تعاون نوعي مع كبار الشعراء والملحنين، والتعاقد مع شركات سعودية عملاقة للإنتاج والتوزيع. وبدعم من كل هذا، استطاعت أميمة طالب أن تبرز كصوت مميز، وتكتسب شهرة لم تكن متاحة لها قبل هذه الحركة، وعلى الأغلب لم تكن قابلة للتحقيق خارجها.
أميمة طالب صعدت بهذا المشهد المتكامل بعد أن بقيت، عندما كانت مجرد موهوبة تخرجت من برنامج المواهب، بموهبتها وحدها.
وبدا للكثيرين أن البيان بمثابة إنكار لدور البنية الفنية الخليجية، وجحود لكل يد أعطته فرصة، سواء شركات الإنتاج أو الشخصيات الداعمة كالشعراء والملحنين الذين صدروا اسمه للجمهور.
ولماذا اعتبر التصريح جحودا في نظر هؤلاء؟
وبرأيهم، ولأن حضورها الفني يكاد يكون معدوماً خارج الخليج، فإن أميمة، مثل العديد من الأصوات الواعدة، لم تنشأ في فضاء عربي مفتوح، بل داخل فضاء خليجي تحكمه مؤسسات واضحة الذوق واللون والدعم. ويرتبط نجاحها اليوم بهذا الإطار، بحفلات ومواسم السعودية، وشركات إنتاجها العملاقة، وما تقدمه من مهرجانات وعروض كبرى. وبدا تجاهل هذه الحقيقة، في نظر منتقديها، بمثابة نوع من “تبييض السجل” وإعادة رسم قصة صعودها فرديا، لأن الشركات الكبرى فتحت الطريق أمامها حرفيا، وأيضا لأن الجملة نفسها محت الدور الجماعي لإبداع الفنان، وحتى تبريرها لم يخاطب أنصارها.
ومحاولة الشرح تعمق الفجوة
عادت أميمة وأجابت بأن كلامها «جزئي»، وأنها تقصد أنها لا تدعم «بالواسطة» أو «المحسوبية»، وأنها لا تنكر دعم الشعراء والملحنين. ورغم ذلك لم تتراجع عن عبارة «ما أوصلني إلى هذا المنصب هي موهبتي ولم يدعمني أحد».
ولمن رأى تصريحها الأول «ناكراً للجميل»، فإن هذا التوضيح لم يكن كافياً، لأن المشكلة تكمن في غياب الاعتراف الصريح بأن صعودها هو نتيجة الدعم من خلال فرص النجاح التي تجدها في المملكة.
بل إن بعض المعلقين ذهبوا إلى القول بأن أميمة نفسها «تشكلت فنيا» ضمن الحراك السعودي الأخير، وأن بقاءها في المقدمة مرتبط باستمرار تلك المنصات التي قادتها إلى الحفلات الكبرى.
الجمهور الذي انتقدها لم ينكر موهبتها، بل رفض فكرة أنها حاولت تقديم أن الموهبة وحدها تكفي.
لذلك، بدا تبريرها للكثيرين محاولة لصياغة «بطولة فردية» لا تشبه واقع مسيرتها، وهذا ما اعتبروه خيبة أمل، وربما استنكاراً لمن وقف معها في كل مراحلها.
وكشف تصريح أميمة طالب عن فجوة بين ما يعتقده الفنان عن نفسه، وما يراه الجمهور، وما تفرضه صناعة الموسيقى الخليجية.
فنان اليوم ليس مجرد صوت؛ إنها نتاج صناعة بأكملها، وهذه الصناعة لها شركاء، وبدونهم لا مكان ولا منصة ولا جمهور.
ومهما كانت الموهبة صافية، يبقى الاعتراف قيمة لا يملك الفنان ترف إهمالها.
في المقابل، يرى البعض أن تصريح أميمة طالب لم يكن ليثير كل هذا الجدل لولا أنه افتقر إلى بعض الحكمة في توقيته وفي صياغته. وما زاد الطين بلة هو تبريرها اللاحق، والذي، على الرغم من محاولته التخفيف منه، بدا وكأنه امتداد للفكرة نفسها أكثر من كونها تصحيحًا لها. وكان الأجدر بها أن تشيد علناً بكل من وقف معها وفتح أبواب الحراك الذي احتضنها كصوت وفرصة لا يمكن شراؤها.
وكان تبريرها غير مقنع وبيانها غير كاف
– الحفلات والأغاني الخليجية تشكل الجزء الأكبر من تاريخها






