بيكاسو.. بين الفن والشعر والجنون

بين الرسم والنحت والشعر، اختار بيكاسو أيضًا أن يبقى رسامًا، وبين باريس التي منحته الكثير من الشهرة والخبرة ومجموعة من أصدقائه الفنانين، بقي بيكاسو، في أعماقه، إسبانيًا دائمًا، على الرغم من أنه كان يجمع بين ذكرياته في إسبانيا وحياته الجديدة في باريس. السيرك الذي كان يقام في مونتمارتر في باريس كان يشبه مصارعة الثيران في إسبانيا وكان المهرج في أعمال بيكاسو يشير إليه.

التقى بيكاسو بفنانين حقيقيين أتوا من كل مكان، مما جعل من باريس مسرحًا لأعمالهم وصداقاتهم ومنافساتهم أيضًا. وكانوا ينتمون إلى مدارس فنية مختلفة، كانت كل منها ساحة للتداعيات السياسية والاجتماعية التي عاشوها. كانت المعارض الفنية والمعارض وسيلة لإطلاع النقاد وجمهور الفن على منتجاتهم. ولم يكن بيكاسو مثل ماتيس مثلا الذي كان يشتاق إلى عرض لوحاته على الجمهور في كل فرصة متاحة في المعارض والصالونات. كما كان يستمتع بتلقي آراء النقاد حول فنه، ولم يخجل من التصريح بتأثره بإبداعات زملائه. رفض بيكاسو بعناد عرض لوحاته في الصالونات، ونادرا ما عبر عن تأثره بأعمال زملائه الفنانين، كما كتب عنه رولاند بين روز. وعلى الرغم من الاختلاف في التوجه والرأي، ظل بيكاسو وماتيس صديقين حميمين حتى وقت وفاة ماتيس. زار بيكاسو صديقه ماتيس في نيس، مدينة اللازورد وشواطئها الدافئة التي لا يتخلى عنه عشاقها حتى في فصل الشتاء، والتي يحتفظ أهلها بتذكارات منه ظلت خالدة فيهم وتشير إلى أنه رحل عنهم.

وله قصة أخرى مع المناطق التي ترك فيها بصمته مثل مدينة روان خارج باريس وعلى أطراف قرية عاش فيها في قصر تراثي مهمل ومهجور وحوّل الاسطبلات إلى ورشة للنحت أتقنها بيكاسو على مختلف المواد. وفي تلك المرحلة ترجمت أعماله غضبه على الإنسانية، حيث أظهر الإنسان في أعماله عارياً على حقيقته.

وقد خرج بيكاسو ورفاقه الفنانين عن الأسلوب التقليدي وقادوا حركة الفن الحديث التي كان يحرمها ويعارضها الكثيرون. وزينت نقوش بيكاسو رواية بلزاك التي نشرها فولارد وتعتبر أهم انتصاراته في الفنون الجميلة. وكان يردد في كثير من الأحيان: “الفن لا ينافس الحقيقة. الفن كذبة أو خيال يساعدنا على اكتشاف الحقيقة”.

شكلت الألوان في لوحات بيكاسو تاريخا لمراحله الفنية، فكل مرحلة لها مدرسة في حد ذاتها.

عندما أتحدث عن حياة بيكاسو مع النساء، لا بد أن أشير إلى صديقه فرناند الذي عاش معه ست سنوات وكان نافذة على حياته وفنه وصداقاته، والذي وصفه: “على الرغم من أنه لا يتمتع بأي جاذبية خارجية بسبب مظهره وحلاقته وشعره المنسدل فوق سترته المهترئة؛ إلا أن اللهب الذي أحرق دمه جذب كالمغناطيس كل من عرفه”.

ونظرا لعلاقات بيكاسو الكثيرة مع النساء، لا بد أن أذكر أنه الفنان الذي رفض قيود الاستقرار وقيود الزواج التي فرضها عليه زواجه من أولغا التي أنجب منها ابنه باولو. أغرته النساء المتحررات من كل القيود وكانن مصدر إلهام للعديد من أعماله، مثل ماريا تيريزا والتر التي ألهمته باللوحات المذكورة في القصر التاريخي الذي كان منعزلا فيه عن العالم إلا عن الفنانين الذين كانوا يزورونه بين الحين والآخر.

وكتبت في إحدى رسائل والدته إليه: “سمعت أنك أصبحت شاعراً، فلا عجب أنك تستطيع أن تفعل أي شيء في الدنيا، ولن أستغرب حتى لو قيل لي أنك تركت العالم ودخلت الدير”. وكان بيكاسو يقول لأصدقائه بعد قراءة قصائده لهم: «أنا أنظم الصورة وأرسم القصيدة».

هذا هو بيكاسو الذي كلما تابعت سيرته تعطيني الحياة قصة جديدة عنه ومكاناً في رحلة ما قصده وترك أثراً فيه.

الفن وحده يرسم خريطة العالم بالألوان والكلمات، ولا يحفر إلا من هم خارج قيود العادي في ذاكرة الحقيقة والأمكنة، يرسمون قصوراً للخيال في رحلة مليئة بالجنون والفوضى الإبداعية، والتاريخ لا يتذكر العابرين، بل أولئك الذين أشعلوا شعلة الفن والجمال داخل ضلوعهم، وإن لم يسلموا من نيرانه.


مصدر الخبر

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى